ترأس سيادة رئيس الأساقفة حسام نعوم رئيس الأساقفة الانجليكاني في القدس، خدمة الشركة المقدسة على ضفاف نهر الأردن بحضور كافة رعايانا في الأردن. وشارك المطران عماد حداد ورعيته في عمان الاحتفال. كما حضر الخدمة المقدسة سعادة السفير البريطاني السيد فيليب هول. الشكر لرعاتنا وجميع الذين قاموا بالتحضير لهذا الاحتفال المقدس، خاصة الارشديكون فائق حداد.
عظة عيد الغطاس/الحج السنوي إلى المغطس
عبر نهر الأردن- بيت عنيا
رئيس الأساقفة/ المطران حسام نعوم
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين
نقف اليوم عبر نهر الأردن-المغطس لا كزوّار موقعٍ تاريخي أو أثري فقط، ولا كحجّاج يبحثون عن أثرٍ من الماضي فحسب، بل كأبناء سرٍّ حيّ ما زال يتدفّق منذ تلك اللحظة التي انفتحت فيها السماء فوق مياه نهر الأردن. هنا بدأت العلنية الإلهية واستعلن الظهور الإلهي، وهنا انطلقت خدمة المسيح، وهنا وُضع الأساس الروحي لكل ما نسمّيه كنيسةً ورسالةً ومعموديةً وحياةً جديدةً في الله. ما حدث عند الأردن كشف طريقة الله في الخلاص: أن يقترب، أن ينزل، أن يتجسد، أن يشارك الإنسان عمقه لا ليُدان، بل ليُقدَّس.
طوبى لهذه الأرض المقدسة التي اختارها الله من بين كافة بقاع الأرض ليقدس فيها الانسان والانسانية ويرفع شأنها ويعتقها من الشر والخطيئة.
يذكرنا القديس يوحنا المعمدان، أنه في هذا المكان لا نرى يسوع محتاجًا إلى المعمودية، بل نرى البشرية كلّها محتاجة أن يقدسها الله ويطهرها. دخول المسيح إلى مياه نهر الأردن هو دخولٌ إلى تاريخ الإنسان، إلى ضعفه وانتظاره الطويل، إلى عطشه العميق لمعنى الحياة. الماء الذي يلامس جسده لا يغيّره، بل هو الذي يغيّر الماء، ويحوّله من رمز طبيعي إلى أداة نعمة، ومن مجرّد عنصر إلى طريق عبور -من الخطيئة إلى البِّر. منذ تلك اللحظة لم تعد المعمودية غسلًا خارجيًا، بل صارت ولادة جديدة، كما عبّر الرب نفسه: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (يوحنا ٣: ٥).
في صمت الماء وجريان النهر، يعلن الله أن طريق الخلاص لا يبدأ بالقوة ولا بالمجد، بل بالتواضع والطاعة والإنحناء والمحبة. هنا يتجلّى منطق الله المختلف عن منطق العالم: النزول قبل الصعود، الخدمة قبل السلطان، البذل قبل المجد. هذا النزول ليس ضعفًا، بل هو القوة بعينها، لأن الله يختار أن يقيم الإنسان من الداخل، لا أن يفرض عليه خلاصًا من الخارج. ومن هذا المنطلق يصبح الغطاس ليس حدثًا نحتفل به مرة في السنة، إنما هو نمط حياة نُدعى أن نعيشَه كل يوم.
حين انفتحت السماء وسمع الصوت من السماء، لم يكن الإعلان موجّهًا ليسوع وحده، بل لكل من سيمرّ عبر مياه المعمودية بعده. هنا، عند الأردن، أُعلنت بنوّة الابن، وهناك أيضًا فُتحت طريق البنوة أمام الإنسان. في هذا السرّ، لا نخرج من الماء كما دخلنا إليه، بل نُقام إلى حياة جديدة، كما يكتب الرسول بولس: «فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ… نَسْلُكَ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ» (رومية ٦: ٤).
ومن هنا نفهم أن حجّنا إلى المغطس هو عودة إلى الينبوع، فهو تجديد الماضي، ونعمة الحاضر، ورجاء المستقبل. نحن نعود إلى الأساس لنسأل أنفسنا: هل ما زلنا نعيش من نعمة معموديتنا؟ هل ما زلنا نسمح للروح أن يقود خطواتنا ويشكّل شهادتنا؟ فكما خرج يسوع من الماء ليبدأ خدمته الأرضية، نحن أيضًا مدعوون أن نخرج من هذا المكان وقد تجددت رؤيتنا، لا بالكلمات فقط، بل بالالتزام والشهادة والخدمة.
وتزداد بهجة هذا اليوم حين نختبره ككنيسة واحدة، ومقدسة، وجامعة، ورسولية، إذ نفرح بمشاركة إخوتنا وأخواتنا في الكنيسة اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، ونبارك بمحبةٍ ونعمةٍ رسامة وتولي المطران عماد حداد قيادة الكنيسة اللوثرية الشقيقة. إن اجتماعنا معًا هنا، عند نهر المعمودية الواحدة، ليس صدفةً، لكنها علامة لاهوتية عميقة: أن الكنيسة، رغم تنوّع تقاليدها، تولد من ماء واحد، وروح واحد، وربٌ واحد، وايمان واحد، ومعمودية واحدة، وتُرسَل بشهادة واحدة للمسيح الواحد. في هذا اللقاء المسكوني، نشهد أن وحدتنا لا تُصنع بالكلام، بل تُكتشف حين نعود جميعًا إلى الأصل، إلى مياه الأردن، إلى المسيح.
ونحن نقف هنا اليوم، لا يمكننا إلا أن نذكر بامتنان عميق ستةً وعشرين عامًا من العمل الدؤوب والأمين للحفاظ على هذا المكان المقدس، ليبقى موقع صلاة وحجّ وشهادة حيّة. ما حُفظ هنا لم يُحفظ بالحجر فقط، بل بالأمانة والرؤية والصلاة، ليبقى المغطس مساحة مفتوحة لكل من يأتي طالبًا الله، ومكانًا يشهد أن الأرض المقدسة ما زالت قادرة أن تنطق بالرجاء. فالشكر الجزيل لصاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد حفظه الله وهيئة المغطس على الجهود المباركة،،، بارك الله خدمتكم الجليلة.
وهنا أود أن أشارككم كلمة بمناسبة عيد ميلاد جلالة الملك المفدى عبدالله بن الحسين الثاني حفظه الله ورعاة بالأصالة عن نفسي وعن اخوتي الرعاة وشعب الكنيسة في الأردن وخارجه:
يُشرّفنا أن نرفع إلى مقامكم السامي أسمى آيات التهنئة والتبريك بمناسبة عيد ميلاد جلالتكم، سائلين المولى عزّ وجل أن يعيده عليكم بموفور الصحة والعافية، وأن يمدّكم بعونه وتوفيقه لمواصلة مسيرة العطاء والقيادة الحكيمة والرشيدة.
لقد جسّدتم، يا صاحب الجلالة، نموذج القائد المسؤول الذي جمع بين الحكمة والبصيرة، والإخلاص في خدمة الوطن والمواطن، فكنتم رمزًا للثبات والاعتدال، وصوتًا للحق والحوار في محيط إقليمي ودولي يواجه تحديات جسام. كما أسهمت رؤيتكم المستنيرة في ترسيخ دعائم الدولة، وتعزيز سيادة القانون، والدفاع عن قضايا الأمة العادلة بكل شجاعة وثبات.
ويفخر الأردنيون، ومعهم أحرار الأمة والعالم، بالدور التاريخي والثابت في رعاية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، من خلال الوصاية الهاشمية التي تمثل امتدادًا تاريخيًا ودينيًا وسياسيًا لدور هاشمي أصيل في صون هوية القدس، والحفاظ على قدسيتها، والدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها. لقد كانت مواقفكم الحازمة وجهودكم الدبلوماسية المستمرة عنوانًا للالتزام العميق بهذه الأمانة العظيمة، ورسالة سلام وعدل إلى العالم أجمع.
وإن ما تتحلون به من تواضع، وحكمة، وحرص صادق على مصلحة الأردن وأبنائه، كان ولا يزال مصدر فخر واعتزاز، ودافعًا لمزيد من العمل والإنجاز في ظل قيادتكم الهاشمية.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظكم ذخراً للأردن، وأن يوفقكم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يديم على وطننا الغالي نعمة الأمن والاستقرار في ظل قيادتكم الحكيمة.
وكل عام وانتم، يا صاحب الجلالة، بألف خيرٍ وصحةٍ وعافيةٍ وسعادة.
تأتي ذكرى انتخابي مطرانًا في كنيسة الله في مثل هذا اليوم، قبل ستة أعوام، كتجديد للعهد والخدمة. فالخدمة الأسقفية، مثل المعمودية، ليست امتيازًا بل مسؤولية، وليست مقامًا بل دعوة دائمة إلى النزول مع المسيح إلى مياه الناس، إلى أسئلتهم وآلامهم وتوقهم إلى الرجاء.
أيها الأحباء، عيد الغطاس هو دعوة متجددة لكل واحد منا: أن نسمح لله أن يجدّدنا، وأن نخرج من هذا المكان حاملين في داخلنا وعد الحياة الجديدة. نصلّي أن يبقى نهر الأردن نهر حياة، وأن يبقى المغطس علامة رجاء في شرقٍ متعب وجريح، وأن نكون نحن، كلٌّ في موقعه، أبناء المعمودية، نحيا البنوة ونشهد للمحبة، حتى يفرح الآب بنا كما فرح بابنه الحبيب.
آمين